تحقيق: معاذ هاشم كمبال
بينما كنت أنتظر وسيلة مواصلات في أحد المواقف، مرت دراجة نارية تسابق الريح، وعلى متنها شخصان بالكاد تتبين ملامحهما. لم تمر لحظات حتى تلاشى صوتهما، لأجدهما بعد مسافة قصيرة ساقطين على الأرض، والدراجة ملقاة بجوارهما في مشهد يثير الرعب. تجمع المارة لنجدتهما، ليتضح أنهما مراهقان لم يدركا خطورة ما يفعلانه، ليتفرق الجمع بعدها وسط موجة من السخط والاستنكار.
تلك الواقعة كانت الخيط الذي قادني لكشف عالم "تأجير الدراجات النارية" غير القانوني في السوق الشعبي بأم درمان، حيث يغيب القانون ويحضر الخطر.
ميدان الفوضى
خلف سلخانة السوق الشعبي، يقع ميدان واسع يمثل مركزاً لهذا النشاط المحفوف بالمخاطر. هناك، تتراوح أعمار أصحاب الدراجات والمستأجرين بين 10 و30 عاماً، وسط دراجات من طرازي "سوزوكي" و"ياماها" تفتقر جميعها للوحات المرورية، بينما يفتقر معظم السائقين لرخص القيادة. مشهدٌ يبعث على الدهشة، إذ لا يجد الأطفال الصغار صعوبة في استئجار دراجة، بل إن صاحب الدراجة يركب أحياناً خلف الطفل ليتحكم في القيادة، في تحدٍ صارخ لقواعد السلامة المرورية.
بين لقمة العيش والمخاطر
خلال جولتي الميدانية، التقيت بـ "سليمان"، طالب في المرحلة الثانوية، يعمل في هذه المهنة خلال العطلة المدرسية لتغطية احتياجاته الخاصة، مؤكداً أن الدراجات تُؤجر للجميع بلا استثناء.
أما "علي"، وهو من أقدم العاملين في هذا المجال، فقد وصفها بـ "المهنة اللامهنة"، قائلاً: "نحن نعيش على حافة المخاطر؛ ففي حال وقوع حادث، نتحمل المسؤولية كاملة. كما أننا تحت ملاحقة مستمرة من شرطة المرور التي تشتبه بنا، فضلاً عن تكاليف الترخيص الباهظة التي تتجاوز نصف قيمة الدراجة".
وفي السياق ذاته، يبرر "آدم"، وهو خريج معهد صناعي، لجوءه لهذه المهنة بالظروف الاقتصادية القاسية. يقول آدم: "أنا أعلم حجم المسؤولية والخطورة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستأجر لا يجيد القيادة أو طفل صغير، لكن انعدام فرص العمل هو ما يدفعنا لهذا النوع من المخاطرة لإعالة أسرتي".
ظاهرة تتجاوز الدراجات
لم تقتصر المفاجآت على الدراجات النارية فحسب، بل امتدت لتشمل السيارات. فقد رأيت طفلاً لم يتجاوز العاشرة من عمره يقود سيارة بصحبة راشد، وهو ما أكده "آدم" بأن هناك سيارات معدة للتأجير اليومي، حيث يبلغ إيراد السيارة 40 جنيهاً. وأضاف أن مالكي هذه السيارات، وغالبيتهم موظفون سابقون استثمروا مستحقات نهاية الخدمة في شراء هذه المركبات، لا يكترثون بهوية المستأجر، طالما أن المقابل المادي مضمون.
يضع هذا التحقيق واقعاً مريراً أمام الجهات المختصة؛ حيث تحول "تأجير المركبات" من وسيلة للرزق إلى تجارة تهدد أرواح المراهقين والأطفال، في ظل بيئة تغيب فيها الرقابة، وتفرض فيها "ظروف الحياة القاسية" منطقها الخاص على حساب الأمان العام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق