تقرير: معاذ كمبال
لطالما كان هاجس "ما بعد الاعتزال" كابوساً يطارد لاعبي كرة القدم في السودان، خاصة أولئك الذين علقوا آمالهم بالكامل على المستطيل الأخضر. تروى في الأوساط الرياضية قصص كثيرة عن لاعبين كانوا يوماً في دائرة الضوء، قبل أن تدهمهم الإصابات وتتركهم في مهب الريح، ليتحول واقعهم بعد الاعتزال إلى رحلة بحث شاقة عن وظيفة تؤمن حياة أسرهم، في ظل غياب أي غطاء تأميني يحميهم من تقلبات الزمن.
مبادرة "شيكان" والآفاق المرجوة
في خطوة لافتة، أعلن عثمان الهادي، المدير العام لشركة "شيكان للتأمين"، خلال مؤتمر صحفي مؤخراً، عن عزم الشركة تفعيل "التأمين الرياضي" وفتح الباب أمام جميع الأندية السودانية لتبني هذا النظام. وتأتي هذه المبادرة كإحياء لفكرة سابقة كانت قد طبقت بصفة جزئية إبان تصفيات كأس العالم 2006، حين أمنّ الاتحاد العام على لاعبيه، وهي تجربة وجدت صدىً طيباً لكنها لم تستمر أو تتوسع لتشمل الأندية المحلية، بخلاف ما هو متبع في الاتحادات الكروية المتقدمة.
التجارب العالمية.. معايير احترافية
على الصعيد الدولي، يُعد التأمين الرياضي قاعدة أساسية، وليس خياراً ترفيهياً. ففي إنجلترا، على سبيل المثال، يقدم الاتحاد الإنجليزي تأميناً ضد الإصابات للاعبيه خلال المشاركات الدولية، حيث يلتزم الاتحاد بدفع تعويضات أسبوعية للنادي المتضرر تصل إلى 100 ألف جنيه إسترليني، فضلاً عن تغطية نفقات العلاج الطبي. كما تتجاوز التجارب الدولية مستوى الاتحادات لتصل إلى مبادرات فردية، مثل تأمين حارس المرمى الإسباني "إيكر كاسياس" على يديه بمبلغ 7.5 مليون يورو، في رسالة واضحة لكل الرياضيين بضرورة "التأمين الاحترافي" كجزء من حماية المسيرة المهنية.
التأمين الرياضي: التكييف الفني
يوضح الدكتور محمد عوض عمر، مساعد المدير الاكتواري بشركة "شيكان"، أن التأمين الرياضي لا يقتصر على الإصابات البسيطة، بل يمتد ليشمل تعويض النادي في حال غياب اللاعب المؤثر، وتعويض اللاعب نفسه في حال أدت الإصابة إلى اعتزال قسري. ويؤكد أن النجاح في تطبيق هذا النظام يتوقف على رغبة الأندية في استيعاب مفهوم الحماية التأمينية كجزء من منظومة الاحتراف.
آراء فنية.. بين التفاؤل والحذر
يرى المدرب سيد سليم أن التأمين الرياضي "أداة لتحرير عطاء اللاعب"، إذ يزيل هاجس الخوف من الإصابة الذي قد يحد من حماس اللاعب داخل الملعب، مشيراً إلى أن الأندية المتطورة عالمياً تتبنى هذا النظام لضمان استقرار مردود لاعبيها. ومع ذلك، يبدي سليم تخوفاً من "الجانب السلبي"، حيث قد يستغل بعض اللاعبين نظام التأمين للتعجل في الاعتزال بعد إصابات طفيفة طمعاً في التعويض المادي.
من جهة أخرى، يرى النجم السابق جمال أبو عنجة أن التأمين وحده لا يكفي، مطالباً بضرورة تدخل الدولة –عبر وزارة الشباب والرياضة– لرعاية اللاعبين المعتزلين. ويقول: "التأمين يزيل جزءاً من الهواجس، لكن الاستثمار الحقيقي هو في إيمان اللاعب بقدراته والتحصن بالتعليم الأكاديمي، الذي يعد طوق النجاة الحقيقي بعد نهاية المشوار الكروي". وينتقد أبو عنجة غياب استراتيجيات الاستفادة من قدامى اللاعبين في مجالات التدريب والإدارة، أسوة بالتجربة المصرية التي توظف خبرات معتزليها في تطوير اللعبة.
خلاصة
بينما يظل التعليم الجامعي للاعبين "خط الدفاع الأول" لمواجهة صعوبات ما بعد الكرة، يظل التأمين الرياضي ضرورة ملحة تفرضها مهنية الاحتراف. ويبقى التحدي الأكبر أمام الأندية والاتحادات السودانية هو الانتقال بهذا المفهوم من مجرد "أفكار مطروحة" إلى "سياسة مؤسسية" تضمن كرامة اللاعب وتحمي استقرار الأندية، وتجعل من كرة القدم مساراً مهنياً آمناً ومستداماً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق